الشيخ الأميني
89
موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف )
وهذان الحديثان يكذّبان ما جاء به السري ، ولو صحّ ذلك فما وجه هذه المسألة في أيّام معاوية عن تزويج عامر ؟ وأمّا ترك اللحوم فليس من المحرّم أيضا وقد جاءت السنّة بتحليلها كلّها من غير إيجاب ، نعم تركها النهائي مكروه إن لم يكن من باب التديّن ، وقد تستدعي المبالغة في الزهادة الذهول عن شؤون الدنيا بأسرها فلا يلتفت صاحبها إلى الملاذّ كلّها ، وكان مع ذلك لعامر عذر ، قال ابن قتيبة في المعارف « 1 » ( ص 194 ) : وكان سبب تسييره أنّ حمران بن أبان كتب فيه : أنّه لا يأكل اللحم ، ولا يغشى النساء ، ولا يقبل الأعمال - يعرّض بأنّه خارحيّ « 2 » - فكتب عثمان إلى ابن عامر : أن ادع عامرا فإن كانت فيه الخصال فسيّره . فسأله ، فقال : أمّا اللحم فإنّي مررت بقصّاب يذبح ولا يذكر اسم اللّه ، فإذا اشتهيت اللحم اشتريت شاة فذبحتها ، وأمّا النساء فإنّ لي عنهنّ شغلا ، وأمّا الأعمال فما أكثر من تجدونه سواي . فقال له حمران : لا أكثر اللّه فينا أمثالك ، فقال له عامر : بل أكثر اللّه فينا من أمثالك كسّاحين وحجّامين . وأمّا عدم الحضور للجمعة : فقد بيّن عامر نفسه حقيقته لمعاوية وهو الصادق الأمين على أنّه كان له أن لا يحضر الجمعة والجماعة إن لم ير لمقيمها أهليّة للائتمام به ، وليس من المنكر ذلك في حقّ الولاة الأمويّين يومئذ . وعلى فرض صحّة الرواية وكون كلّ ممّا نبز به حوبا كبيرا ، فكان من الميسور تحقيق حال الرجل من قبل والي البصرة كما وقع ذلك فيما مرّ من رواية أبي نعيم بالنسبة إلى التزويج وأكل الجبن وإتيان الأمراء . ولا أدري هل من الفرائض في
--> ( 1 ) المعارف : ص 439 . ( 2 ) كذا في المعارف ، فإذا كان المراد بالخارجي نسبته إلى الخوارج ، فإن هذا لا يصح كما هو معلوم ؛ لأنّ هؤلاء فرقة وجدت تأريخيا بعد وقعة صفين . وقد يكون أراد بهذا الوصف الخروج عن سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .